خفايا وأسرار وراء تعاون «السي آي إيه» مع الكوزا نوسترا
تأليف :جاك دوسان فكتور

يتابع المؤلف هنا بالمزيد من التفاصيل الدقيقة والتحليل المعمق تلك المرحلة المهمة من مسيرة المافيات التي شرعت تطمح فيها إلى الانتقال من العالم الخفي والغارق في الغموض والأسرار للأنشطة الاقتصادية الملتبسة، حيث أشباح الجريمة تنطلق بلا قيود، إلى الواجهة المتألقة، التي تستمد بريقها وثباتها من نسيج هائل وممتد من الصلات المعقدة مع عدد من القيادات السياسية، وربما كان هذا هو على وجه الدقة المسار الذي أفضى بالمافيا في نهاية المطاف إلى التعاون الوثيق مع المخابرات المركزية الأميركية، وهو التعاون الذي أخذ شكل حركة سياسية واضحة ومحددة ولا سبيل لإنكارها.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية ثبتت المنظمات المافيوزية أقدامها في العديد من بلدان ومناطق العالم. وإذا لم يكن واقع تغلغلها في الاقتصاد العالمي قد أصبح ظاهراً ومثبتاً ببراهين قاطعة، فإن من الواضح أنها كانت قد طوّرت آنذاك من نشاطاتها وانتقلت من تجارة الأفيون والسجائر إلى تجارة الهيروين والأسلحة والبشر. كان الانقسام الثنائي الدولي إلى معسكرين في ظل الحرب الباردة وواقع الحذر المتبادل قد عقّد كثيراً من عمل المافيات. هكذا مع انهيار جدار برلين في خريف عام 1989 وظهور تباشير العولمة مع ما رافقها من تقهقر لدور الدول-الأمم ولانفتاح العالم، زالت عمليا جميع العقبات التي كانت تعيق ازدهار المافيات. الأمثلة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب على ازدهار المافيات بعد الحرب العالمية الثانية كثيرة مثل اليابان حيث أدرك الأميركيون بعد أسابيع قليلة فقط عمق هيمنة المافيا اليابانية المعروفة باسم «ياكوزا» وتشكيلها سلطة خفية وفاعلة، وأيضا مثلما كانت الحال في الولايات المتحدة الأميركية نفسها حيث كانت المافيات قد عززت مواقعها منذ نهاية القرن التاسع عشر وازدهرت نشاطاتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ثم حلّ الازدهار الكبير مع العولمة وسيادة اقتصاد السوق ليقوم ما يسميه مؤلف هذا الكتاب ب«عولمة الجريمة». ومن أكبر المظاهر التي يحددها كرمز لهذه العولمة هناك مدينة اللعب والجنس والمال لاس فيجاس.
أسرار لاس فيجاس... بُدئ قبل فترة وجيزة فتح بعض الأراشيف التي كانت محاطة بكتمان شديد، حيث إنها تابعة لأهم جهاز استخباري في تاريخ الولايات المتحدة، وربما في تاريخ العالم، أي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي.ايه». الكثير من القضايا التي لم تكن في الماضي سوى مجرّد شائعات أصبحت اليوم حقائق مدعومة بالوثائق. ومن بين هذه القضايا حقيقة أن المافيات الإيطالية-الأميركية قدّمت مساعدتها للوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية من أجل اغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. ويرى المؤلف أنه مهما كانت الأسباب الكامنة وراء نشر هذا الملف الذي يضم أكثر من 700 صفحة (منها مئة صفحة ممزّقة) من قبل الـ (سي.آي.ايه)، فإن الأمر يستحق التوقف لحظة. الملاحظة الأولى التي يتم تقديمها تقول إن الاستخبارات الأميركية تعترف باقترافها بعض الجرائم التي قيل دائما إنه كان لها علاقة بها ولكن دون تقديم أي دليل. وهي اليوم تؤكد ذلك ف«الاعتراف سيّد الأدلة»، كما يقال. ويذكر المؤلف هنا جريمة اغتيال القائد الوطني الإفريقي باتريس لومومبا والذي اعترفت الحكومة البلجيكية أيضا أنها تتحمّل جزءاً من المسؤولية.
أصبح من المؤكد اليوم أن الـ (سي.آي.ايه) قبلت التعاون مع مافيا «كوزانوسترا»، أي مع أشخاص كانوا مطلوبين من قبل أجهزة الشرطة والقضاء في بلدانهم من أجل جرائم كانوا قد اقترفوها. هنا يطرح المؤلف السؤال التالي: (لماذا فكّرت الأجهزة السرية الأميركية التابعة للدولة الأكثر ديمقراطية مبدئياً في العالم باللجوء إلى كوزا نوسترا من أجل التخلص من فيدل كاسترو؟).
إن هذا التفصيل يشير إلى الكثير حول حقيقة العلاقات المدهشة التي جرى نسجها خلف «الديكور الرسمي» بين المافيا وأجهزة الشرطة السرية. بالنسبة لكوبا كانت الاستخبارات المركزية تدرك جيدا أن هناك أسبابا عديدة تجعل المافيات الإيطالية-الأميركية تناصب كاسترو العداء. فالزعيم الكوبي كان قد أطاح بالدكتاتور باتيستا الذي كان صديقا قريبا من رجال الكوزا نوسترا، وكانت له لقاءات عديدة مع قادة هذه المنظمة المافيوزية، وفي مقدمتهم مائير لانسكي، اليهودي والمسؤول المالي في المنظمة.
تشكّل كوبا، هذه الجزيرة الكبيرة في منطقة الكاريبي، فردوسا مرغوبا من قبل الأغنياء، وهذا يعني أن فيها الكثير من الأموال. فهمت المافيات تلك الحقيقة وهكذا توصلت الكوزانوسترا، عبر مفاوضات مباشرة مع الدكتاتور باتيستا، إلى وضع يدها على فندق ناسيونال الشهير، حيث تولّت إدارة أحد أكبر أندية اللعب -الكازينوهات- في المنطقة. وعبر آليات ملتوية لكسب الأموال وتحويلها إلى الخارج «ملأت المافيات جيوبها».
دخلت العائلات المافيوزية في أميركا بتنافس شديد من أجل فتح أسواق كوبا. وينقل المؤلف عن أحد عرّابي مافيات نيويورك المدعو باناناس قوله لمائير لانسكي ذات مرّة: «علمت أنكم تقومون بعمليات مربحة جدا في كوبا. عليكم أن تفتحوا لنا الأبواب. وإذا كانت تجارتكم مجزية فعليكم مشاركة الآخرين بها». أصبح باناناس مديرا لفندق ناسيونال. وفي هذا الفندق انعقدت قمة للجريمة حول لوكي لوسيانو، العرّاب الأكبر لمافيا كوزا نوسترا في العالم لوضع خطة من أجل مواجهة أوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية.
امرأة تسرق المافيا
لكن كيف أمكن عقد مثل تلك القمة من دون إثارة انتباه أجهزة الشرطة؟ لقد استخدم لوسيانو في خروجه سرا من إيطاليا غطاءً لرحلته مطربا أميركيا شابا من نيوجرسي وذا أصول إيطالية، كان قد أصبح محبوب الشباب، اسمه «فرانك سيناترا» الذي دلّت شهادات مافيوزية لاحقة أنه انطلق في عالم الشهرة ب«فضلها» كما كانت أيضا حسب نفس الشهادات وراء انطلاق شهرة الممثلة الأميركية الشهيرة مارلين مونرو.

وتدل أراشيف السي.آي.ايه أن مافيوزيا كان يعمل في هوليود لحساب آل كابوني واسمه جوني روسيلي هو الذي قام بدور الوسيط مع الأجهزة السرية الأميركية لتحضير عملية اغتيال كاسترو. بكل الأحوال أكّدت أوساط مافيا شيكاجو ونيويورك على أنه كان لفرانك سيناترا علاقات معها.
ومن المؤكّد أنه قد خدم كغطاء لوجود عدد من الشخصيات الكبرى - العرّابين- في العاصمة الكوبية والذين قدموا من أجل تكريم المطرب الشاب ظاهريا، وإنما لحضور القمة المافيوزية واقعيا. وكان كل مدعو إلى القمة يتصرّف بشقة في الفندق -سويت- حسب تقليد مافيوزي اقترب كثيرا من تقاليد عالم رجال الأعمال.
كانت هناك موضوعات عديدة على جدول أعمال قمّة هافانا، وكان لوسيانو يهدف أولا إلى تثبيت موقعه كعرّاب أكبر على الكوزا نوسترا.
ولكن كان هناك موضوع متفجر ينبغي إيجاد حل له ويتعلّق بمافيوزي كبير كان مسيطرا على هوليوود، عاصمة السينما، واسمه بنيامين بوجسي أو بيني سيغل، كما شاعت تسميته. هذا الرجل الذي عاش مغامرات عاطفية مع ممثلات شهيرات مثل لانا تيرنر وريتا هيوارث وأصبح صديقا لنجوم هوليوود من أمثال كلارك جيبل وجاري جرانت، باختصار أصبح قادرا على أن يشلّ إنتاج أي فيلم.
لكن بوجسي لم يكتف بهيمنته على هوليود، وإنما كان قد فكّر بإنشاء مدينة للعب والمقامرة في صحراء نيفادا. كان المقصود هو أن تقوم المافيا بإعادة تدوير أموالها في نشاطات «شبه مشروعة» مثل اللعب. وكانت حكومة نيفادا من جهتها تريد أن تجذب الاستثمارات، ولذلك أضفت الشرعية على جميع أنواع نشاطات الألعاب والمقامرات.
ضمن مثل ذلك السياق ازدهرت مدينة رينو الصغيرة، حيث كانت تمارس ألعاب المقامرة في الصالات الخلفية وأصبحت إحدى الوجهات الأولى التي يقصدها أصحاب الملايين من لاعبي البوكر.
وظّفت المافيات في البداية حوالي 2000 من بنات الهوى في المدينة. في مثل ذلك السياق، وبالتزامن مع قيام قاعدة عسكرية حيث أُجريت في صحراء نيفادا أولى التجارب النووية الأميركية، بنيت سلسلة من المجمّعات التي حوت فنادق وغيرها عند المدخل الجنوبي من لاس فيجاس.
وفي لاس فيجاس هذه أراد بوجسي بناء فندق-كازينو ضخم. أعطت قيادات المافيا، وعلى رأسها لوسيانو الذي كان آنذاك في السجن، موافقتها على المشروع، بناءً على السابقة المربحة التي عرفتها في كوبا. هكذا قام فندق فلامنجو الشهير.
وكانت المافيا قد اكتشفت أن إحدى عشيقات بوجسي، التي كان قد عيّنها ك«نائبة للرئيس» في إدارة الفندق، قامت باختلاس مبالغ مالية هائلة وحوّلتها إلى حسابات لها في سويسرا. وكان على المافيا أن تواجه وضعا غريبا وخطيرا بالنسبة لها على المستوى الرمزي، ذلك أن «المنظمة المافيوزية هي التي كانت تختلس الأموال بشكل طبيعي وليس العكس».
وفي القمة المافيوزية بهافانا طالب البعض وعلى رأسهم مائير لاتسكي بإصدار «حكم بالموت» على بوجسي بعد وصفه أنه كان الأخ والصديق طيلة مسيرته ولكن ما حصل بسببه، خيانة أو جهلا، يستدعي ذلك. لكن قمة هافانا انتهت إلى قرار ب«التريث لرؤية المسألة بشكل أوضح فيما يخص دور بوجسي» ليمضي المشاركون بقية ليلتهم مع حفلة ساهرة أحياها فرانك سيناترا.
لم يستطع بوجسي أن يعيد الأموال التي اختلست من صندوق المافيا وبعد ستة أشهر من قمة هافانا قتلته أربع رصاصات حيث كان يمضي بعض الوقت في فيللا عشيقته على شواطئ كاليفورنيا.
إن أسرارا كثيرة يتم كشفها اليوم حول قضية هذه العشيقة التي اختلست هذه الأموال واسمها فيرجينيا هيل. بعد مقتل بوجسي عملت المافيات على بناء سلسلة من نوادي اللعب الأخرى في لاس فيجاس. وهنا يسأل المؤلف: هل بقيت مدينة لاس فيجاس التي بنتها المافيات خاضعة دائما لإدارة المافيا؟
ويقول في معرض الإجابة أنه في مطلع سنوات التسعينات المنصرمة زعمت مدينة لاس فيجاس أنها قد تخلّصت نهائيا من عالم الجريمة الذي لم يعد سوى مجرد ذكرى سيئة. وتتم الإشارة هنا إلى الفيلم السينمائي الذي جرى عرضه في عام 1995 لمخرجه مارتن سكورسيز بعنوان «كازينو»، والذي يبيّن في نهايته أن لاس فيجاس قد تحوّلت إلى نوع من «ديزني لاند» للمتقاعدين بعد رحيل المنظمات المافيوزية عنها.
لكن المؤلف يؤكد على أن الشكوك لا تزال تحوم حول هذه المسألة لاسيما وأن رئيس بلديتها المنتخب عام 1999 وكان الذي لا يزال يحتل هذا المنصب في عام 2007، المحامي اوسكار جودمان، كان هو محامي المافيات. وهو يردد دائما «أنا لست زبائني». مع ذلك يبقى السؤال: هل جودمان هو مجرد محامي المافيا أم أنه محامي مافيوزي؟ كان هذا المحامي قد لعب في فيلم «كازينو» الدور الذي يشغله في الحقيقة، أي محامي المافيا.
وكان من بين زبائنه القاتل سبيلوترو. وعندما كانوا قد عثروا على هذا القاتل «مدفونا حيا» في أحد حقول الذرة في انديانا نُقل عن المحامي جودمان قوله: «كان سبيلوترو يحب كثيرا الاهتمام بالحدائق، وربما أن ما حصل له هو حادث عمل».
لم تنته قضية فندق فلامنجو مع قتل بوجسي، إذ كانت المافيا تريد استرداد المبالغ التي اختلستها فيرجينيا هيل. هكذا أرسلت كارمين جالانت، قاتل بوجسي، إلى أوروبا للبحث عنها. كانت لاجئة في باريس، ولكن عيون شبكة المافيات كانت موجودة في كل مكان. وذات يوم عندما كانت تتنزّه باطمئنان في ساحة الفاندوم اقترب منها أحدهم وقال لها: «أعيدي لنا ما هو لنا وسوف نتركك تعيشين بسلام. وإلا سوف يتصرف كارمين بطريقة تجعلك تفعلين ذلك».
وعدت بإعادة المبلغ في حقيبة بنفس المطعم الذي اصطحبها الرجل إليه. وبعد ثلاثة أيام اختفت والتجأت إلى سويسرا. بعد أيام فقط وجدتها المافيا من جديد. أعادت فيرجينيا، التي كانت أول امرأة تسرق المافيا، المبلغ ثم توفيت «منتحرة»، رسميا، في سالزبورج بالنمسا.
المافيا والسي.آي.ايه
بعد منع لوكي لوسيانو، زعيم «الكوزا نوسترا» من الإقامة في الولايات المتحدة وطرده من كوبا من قبل باتيستا تحت الضغوط الأميركية عاد للإقامة في موطنه الأصلي إيطاليا.
وفي ذات ليلة من شهر أكتوبر 1957 لاحظ سكان شارع روما في باليرمو رتلا من السيارات السوداء الفاخرة التي تتوافد إلى إحدى «الفيللات» الفخمة. كانت تلك السيارات تقل قيادات المافيا في أميركا وصقلية الإيطالية. كان ذلك الاجتماع في غاية الأهمية الاستثنائية كي يضم زعماء المافيا في ضفتي الأطلسي. وكان لوكي لوسيانو هو الذي حدد «شخصيا» كل الإجراءات المتعلقة.
كان الرهان كبيرا أيضا، فقبل عام كان نظام باتيستا في كوبا يترنّح بينما لاحت إمكانية انتصار فيدل كاسترو كبيرة في الأفق القريب، مما كان يعني حرمان المافيا من الهيمنة على «كازينوهات» المربحة جدا. لكن لم تكن مسألة «نوادي اللعب» هي التي تشغل بال لوسيانو، وإنما مسألة أخرى أكثر «جيوستراتيجية».
إذ كيف يمكن التعويض عن منطقة مثل كوبا بزعامة باتيستا تسمح بازدهار تجارة المخدرات؟ كانت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ منذ ثورة كاسترو. بالتالي كان لا بد من اتخاذ إجراءات ملحّة من أجل إعادة تنظيم السوق الدولي للمخدرات الذي أصبح مصدر أموال طائلة بالنسبة لمافيا كوزا نوسترا التي أحكمت سيطرتها عليه.
اكتسبت قمة باليرمو أهمية استثنائية إلى درجة أنها أطلق عليها تسمية يالطة الهيرويين، للتشبيه بقمة يالطة التي عقدها الرؤساء الثلاثة ستالين وروزفلت وتشرشل على ضفاف البحر الأسود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل الاتفاق على رسم خارطة جديدة لأوروبا ولاقتسام مناطق النفوذ في العالم. أما قمة باليرمو فإنها رمت إلى اقتسام مناطق النفوذ في العالم فيما يتعلق بعالم الجريمة المنظمة عامة، وتجارة المخدرات بشكل خاص.
ويرى المؤلف أنه من أجل فهم الأسباب العميقة التي جعلت البعض يطلقون على اللقاء المافيوزي لباليرمو «القمة المافيوزية الأكثر أهمية في التاريخ»، تنبغي العودة قليلا إلى الوراء. ففي بداية سنوات الخمسينات أدركت الكوزا نوسترا أن تجارة المخدرات تشكل السوق الأكثر مردودا في ميدان الجريمة المنظمة. وقد كانت تسيطر على السوق الأميركية.
وكانت جزيرة صقلية قد أصبحت «نقطة التوزيع» لجميع الشبكات التي تزوّد الأسواق بالمخدرات. هكذا كان يصل المورفينعبر نقله غالبا عبر الشرق الأوسط وخاصة من تركيا أو من ميناء بيروت.
وكانت المافيا قد أقامت علاقات وثيقة مع عدد من شركات الصناعات الدوائية مما سمح ب«تكرير» المورفين وتحويله إلى هيرويين كي يتم توصيله إلى الولايات المتحدة في «علب أدوية» عبر مجموعات مافيوزية متواجدة في ريو أو كاراكاس أو مونريال أو مرسيليا. لكن بقيت الشبكة الصقلية هي الأكثر أمنا ونشاطا، وحيث تستطيع المافيا السيطرة بشكل أفضل على العملية أكثر مما هو في الولايات المتحدة حيث يُبدي الرأي العام حساسية خاصة حيال تجارة المخدرات.
كانت كوبا وحدها هي التي تمثل منطقة تتمتع فيها المافيا بسيطرة مماثلة لتلك التي كانت تتمتع بها في جزيرة صقلية. ثم كانت الكوزا نوسترا قد توصلت إلى خلق شبكة جديدة في كوبا لتجارة الكوكايين خاصة بالتواطؤ مع الدكتاتور باتيستا.
كانت الأمور قد بدأت بالتغير منذ مطلع سنوات الخمسينات إثر اتخاذ الحكومة الأميركية إجراءات حازمة ضد تجارة المخدرات مما أعطى أهمية كبيرة لكوبا القريبة من الولايات المتحدة. ضمن مثل ذلك السياق مثّلت الثورة الكوبية تهديدا حقيقيا لمصالح المافيات، وأصبحت مسألة إعادة تنظيم تجارة المخدرات أمرا جوهريا تطلّب الدعوة إلى عقد «قمة باليرمو» التي قررت أن تصبح جزيرة صقلية هي «مركز التوزيع» لتجارة المخدرات بدلا من كوبا.
وفي عام 1962 توفي أكبر «عرّاب «في تاريخ مافيا كوزا نوسترا، أحد الأكثر شهرة، عندما كان في مطار نابولي وهو ينتظر الكاتب السينمائي «مارتن جوش» الذي كان يريد أن يكتب سيناريو لفيلم عن حياته.
مع وفاة لوسيانو تأججت النزاعات بين عرّابي المافيا في نيويورك من أجل السيطرة على تجارة المخدرات التي كانت قد بدأت تدرّ مليارات الدولارات سنويا. هذا إلى جانب النشاطات «التقليدية» في السيطرة على نوادي اللعب والمقامرة والدعارة. هكذا عرفت نيويورك موجة من العنف التي لم تكن شوارعها قد شهدت مثلها من أجل السيطرة على سوق المخدرات.
ولكن اللعبة أصبحت مكشوفة إلى درجة أن أجهزة الشرطة الأميركية قررت أن «تحاصر جميع العرّابين». هذا ما وضع في الواقع العملي حدّا لطموحات الكثيرين منهم بخلافة «لوكي لوسيانو».
وينقل المؤلف من تقرير للسناتور الأميركي «كيفوفر»، رئيس اللجنة التي شكّلها مجلس الشيوخ لمكافحة الجريمة المنظّمة قوله: «توجد في الولايات المتحدة نقابة للجريمة (...) وخلف العصابات المحلية (...) هناك تنظيم دولي في الظل معروف باسم المافيا، وهو ذو طبيعة سريّة إلى درجة أن العديد من الأميركيين يشكّون بوجوده أصلا. إن تغلغل رجال العصابات في التجارات المشروعة يتقدم بصورة تثير القلق في الولايات المتحدة الأميركية».
علاقات خطرة
فوجيء الأميركيون بوجود منظمة للجريمة، التي كان المسؤول الرئيسي لمكتب التحقيقات الفيدرالي ادجار هوفر يتجاهل حتى وجودها، بل وحاول تعطيل عمل لجنة مجلس الشيوخ. ورفض قيام مكتبه بحماية شاهدين في إطار مهمة اللجنة وُجدا مقتولين بعد حين.
فلماذا كان مسؤول مكتب التحقيقات الفيدرالي ينكر وجود المافيا؟ ذلك أنه بكل بساطة لم يكن قريبا من رؤساء المافيا فحسب وإنما لكون أنه كان يخسر آلاف الدولارات في سباق الخيل، وما عبّر عنه أحد قادة المافيا نفسها بالقول: «إننا نقوم بتمويل خسارته، دون أية فوائد».
كان كارلو جامبينوهو آخر عرّابي المافيا الكبار. وهو الذي قاد «المنظمة» لمدة 17 سنة في أصعب اللحظات مع وصول جون كندي إلى السلطة والذي لم يكن الرؤساء الأميركيون قبله قد اهتموا فعلا بالمافيا. لقد كان شديد الحساسية حيال «الخطر المافيوزي». وهذا ربما يعود، حسب قول المؤلف، إلى «الماضي الغامض لوالده جوزيف كندي الذي كانت له علاقات مبهمة مع بعض المافيوزيين» مثل سام جيانكانا.

جيانكانا هذا لم يساعد السي.آي. ايه في محاولة اغتيال كاسترو فحسب، بل ساعد في تدريب «المتطوعين الكوبيين، الذين شاركوا فيما بعد بعملية الإنزال البحري الفاشلة في خليج الخنازير بكوبا. ويكتب المؤلف: «من المحتمل جدا أنه - أي جيانكانا- عقد صلات كثيرة بسبب أسفاره العديدة إلى أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بل وساعد الأنظمة الدكتاتورية المدعومة من السي.آي.ايه من أجل القيام بعمليات سريّة. كان يعرف شاه إيران وكان يملك معارف مدهشين بما في ذلك في الفاتيكان حيث كان له صلة بالعديد مع من الذين شاركوا في إفلاس بنك البوليزاريو وفي فضيحة المحفل الماسوني ب-2».
وتتم الإشارة الى أنه عندما كان جيانكانا في أوج قوته أرسل تقريرا صوتيا لجون كندي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية. لكنه عند انتخابه رئيسا لم ينتهج سياسة ملائمة للمافيا، بل عيّن أخاه بوبي كوزير للعدل حيث قام بملاحقة الزعماء المافيوزيين وحدد قائمة للمطلوب «الإطاحة» بهم وكان في عدادهم جيانكانا نفسه.
هكذا في الوقت الذي كانت تتدفق فيه الأموال بكميات هائلة على المافيا من تجارة المخدرات ونوادي المقامرة وحيث كانت تسيطر على العديد من مشاريع النساء في مانهاتن وأسواق الأسهم في وول ستريت، كانت الشرطة بنفس الوقت «تضيّق الخناق» عليها.
في ذلك السياق اهتمّ مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ببعض «العائلات المافيوزية» التي لها صلات «غير قليلة» مع الرئيس الجديد. وكانت النساء تمثل إحدى نقاط ضعف كيندي. وفي مثل ذلك السياق استجدت قضية «الموت المشبوه» للممثلة مارلين مونرو، وهل كان انتحارا أم قتلا؟ هناك روايات كثيرة متناقضة. كانت قد تعرّفت على روبرت كيندي الذي عرّفها على أخيه.

وينقل المؤلف عن جيانكانا كتابته في مذكراته: «استغلت السي.آي.ايه مفاتن مارلين من أجل الاقتراب من زعماء عالميين من أمثال سوكارنو» ويؤكد المؤلف هنا أنها كانت على علم بالعلاقة بين السي.آي.ايه والمافيا وبالتالي «كان من الأفضل أن تصمت». وإذا كان المؤلف لا يخوض في التفاصيل، فإنه يحدد القول تبعا لرواية المافيا ولأقوال عميل سابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي هو وليام رومر فإن «سام جيانكانا وأربعة من رجاله تكفّلوا بوضع حد نهائي لمسيرة مارلين».
كان ذلك «يعطي هامشا أكبر للكوزا نوسترا»، كما يقول المؤلف ثم يضيف: «إن اغتيال جون كيندي يوم 22 نوفمبر 1963، الذي سيبقى كما يبدو من دون تفسير، يترافق دائما بذكر اسم المافيا».
إضاءة
اكتسبت قمة باليرمو أهمية استثنائية إلى درجة أنها أطلق عليها تسمية يالطة الهيرويين، للتشبيه بقمة يالطة التي عقدها الرؤساء الثلاثة ستالين وروزفلت وتشرشل على ضفاف البحر الأسود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل الاتفاق على رسم خارطة جديدة لأوروبا ولاقتسام مناطق النفوذ في العالم. أما قمة باليرمو فإنها رمت إلى اقتسام مناطق النفوذ في العالم فيما يتعلق بعالم الجريمة المنظمة عامة، وتجارة المخدرات بشكل خاص.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire