خمسون منطقة تقع تحت سيطرة قوى إجرامية تتحدى الدول
تأليف :جاك دوسان فكتور
يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم معلومات جديدة عن المافيات القديمة، ويركز على تحليل العلاقات المعقدة بين هذه المافيات ومجموعات مناظرة أخرى ظهرت على الساحة العالمية، مثل الترياد الصينية والباباس التركية والياكوزا اليابانية والمافيا الروسية والمافيا الألبانية، وإذا كانت هذه المنظمات الإجرامية تكرس صناعة الخوف على امتداد العالم،
يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم معلومات جديدة عن المافيات القديمة، ويركز على تحليل العلاقات المعقدة بين هذه المافيات ومجموعات مناظرة أخرى ظهرت على الساحة العالمية، مثل الترياد الصينية والباباس التركية والياكوزا اليابانية والمافيا الروسية والمافيا الألبانية، وإذا كانت هذه المنظمات الإجرامية تكرس صناعة الخوف على امتداد العالم،
فإن المؤلف يطرح في مواجهتها مجموعة مهمة من علامات الاستفمهم، أبرزها السؤال الكبير:هل ستكون لدى المجتمع الليبرالي الامكانيات التي تجنبه سيطرة الجريمة عليه في وقت يصل عدد المناطق الخارجة عن سيطرة الدول والواقعة في قبضة قوى إجرامية إلى أكثر من خمسين منطقة؟ «في عام 2010 قد يشهد العالم بروز دول إجرامية». هكذا جاء في تقرير سرّي قدّم للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في عام 2000، ويتساءل مؤلف هذا الكتاب مباشرة، أليست هذه التوقعات المنذرة بصدد التحقق؟ ويجيب: «لم يكن الإجرام المنظّم في يوم من الأيام، على الصعيد العالمي، أقوى مما هو عليه اليوم في عام 2008».
لا يتردد المؤلف في القول ان مناطق عديدة من المعمورة قد خرجت من سلطة بعض الدول «الضعيفة». وينقل عن صحيفة «صنداي تلغراف» تساؤلها في صيف عام 2007 عمّا إذا كانت غينيا بيساو، مثلا، ليست بصدد أن تصبح الدولة الأولى ذات العلاقة بعالم التجارة الممنوعة في إفريقيا. ويشير المؤلف إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «السي.آي.ايه» قد أكّدت في تقريرها السنوي المقدم للكونغرس عام 2004 أن 50 منطقة في العالم قد خرجت عن سيطرة الدول لتدخل تحت سيطرة قوى إجرامية. وهذه المناطق المعنية ليست موجودة على مهمش العالم وإنما هي في صلبه أحيانا. ويقول مؤلف الكتاب انه على بعد ثلاث ساعات بالطائرة عن باريس تقع «ترانسنيستريا» على الحدود الروسية، وكانت قد انفصلت عن مولدافيا.هذه «البلاد» وصفها المدير التنفيذي السابق للبنك الدولي بأنها «مشروع إجرامي في الواقع»، كما ينقل المؤلف عنه ويضيف أنها «مركز مهم لتجارة الأسلحة غير المشروعة».
تساؤلات... فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن تفسير هذا التسارع الكبير في تقدم عالم الجريمة مع منعطف القرن الحادي والعشرين؟ هكذا يتساءل المؤلف. ويجيب أن «هذا الفيروس القاتل للديمقراطيات ازدهر في التاسع من نوفمبر 1989». أي في ذلك اليوم الذي سقط فيه جدار برلين الشهير، مما كان مقدمة لنهاية «الستار الحديدي» الذي قام في أوروبا خلال فترة الاستقطاب الثنائي الدولي إلى معسكرين أثناء الحرب الباردة. مع انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الاشتراكي بدت الليبرالية منتصرة وانفتح الطريق واسعا أمام العولمة، لاسيما عولمة الاقتصاد. لكن تلك «العولمة السعيدة»، كما يصفها المؤلف، لم تكن سوى أحد وجوه ذلك المنعطف الكبير في تاريخ العالم المعاصر. وكان ازدهار المبادلات التجارية قد وضع في الواقع حدّا للرقابة على صرف العملات، مما سهّل بالتالي انتقال الأموال وتبييض «القذرة» منها، مع ما رافق ذلك من تقليص مهمش مناورة الدول.
ويشير المؤلف إلى أن هذا التطور كان محسوسا وجليا أكثر في دول أوروبا الشرقية والوسطى الشيوعية وحيث أدى الانفتاح العشوائي للأسواق إلى «انفتاح شهية» المنظّمات ذات الطابع الإجرامي. وفي المحصلة «لم تؤد العولمة إلى تحرير المبادلات المشروعة وإنما أيضا، وخاصة، إلى تحرير المبادلات غير المشروعة». ينقل المؤلف عن مدير صندوق النقد الدولي، مايكؤل كامديسوس، قوله في عام 1998 ان تدفقات الأموال «القذرة» قد زادت من نسبة 2 بالمئة إلى 5 بالمئة في الاقتصاد العالمي. لكن الأرقام الأكثر حداثة الصادرة عن منظمة التجارة والتنمية الأوروبية تثير القلق أكثر، إذ تدل هذه الأرقام على أن «اقتصاد الظل» مثّل عام 2005 نسبة 30 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي لـ 22 بلدا هي بطور الانتقال نحو اقتصاد السوق و15 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي لـ 21 بلدا من بلدان المنظمة. كذلك تدل حسابات دقيقة أخرى أن قيمة النشاطات غير المشروعة تجاوزت مبلغ 1000 مليار دولار، أي ما يعادل 8 بالمئة من قيمة المبادلات الدولية. الأرقام خيالية رغم أنها مجرّد تقديرات، وإنما تقديرات لها مصداقيتها.
ما يؤكّد عليه المؤلف هو أن اختصاصيين من ذوي المصداقية يقدمون البراهين على وجود اقتصاد «إجرامي»، حوّل فكرة «التجارة الناعمة» التي تقوم عليها إيديولوجية العولمة، جزئيا، إلى تجارة حقيقية ل«الموت»، أو على الأقل ل«الخوف». بكل الحالات وجد أولئك الذين يمارسون التجارة غير المشروعة من كل نوع تسهيلات كبيرة من قبل الإيديولوجية الليبرالية السائدة القائلة بـ «الحد الأدنى من الدولة». الدول مطلوب منها أن لا تتدخل في الأسواق المالية، كي لا تعيق عملها.
بالنتيجة أصبحت دورة التمويلات الدولية وأسواقها بعيدة عن أية رقابة. هكذا لم تعد بعض البلدان مثل إيطاليا والولايات المتحدة هي التي تعرف نوعا من «التغلغل ذي الطابع المافيوزي» في حياتها السياسية - الاقتصادي والمالية، وإنما غدت جميع الساحات المالية في العالم كله موضع اهتمام المجموعات ذات الطابع المافيوزي. إن هذه المافيات امتلكت إمكانيات مالية هائلة تكدّست بصورة غير مشروعة خلال العقدين الأخيرين، خاصة من تجارة المخدرات، واستطاعت بالتالي أن تغيّر من الآليات التقليدية لعمل بعض الأسواق.
هنا يفتح المؤلف قوسين كي يدقق القول انه ليس المقصود التشكيك بنظرية الاقتصاد الليبرالي وإنما آلية عمل الرأسمالية هي التي «انحرفت». ذلك أن العناصر الفاعلة «الجديدة» في الاقتصاد المعولم لا تواجه منافسة حقيقية. و«رجال الأعمال» هؤلاء بـ «بذاتهم المخططة» لا يتورعون عن استخدام أعنف الوسائل من أجل إزالة أولئك الذين يعترضون طريقهم. وإذا كان منظّر الحرب الغربي الأكبرفي كل العصور كلاوزفيتز قد قال إن الحرب هي متابعة السياسة بوسائل أخرى فإن «الجريمة المنظمة غدت بمثابة متابعة التجارة بوسائل أخرى»، كما يكتب المؤلف.
ما تتم ملاحظته أنه بعد عشر سنوات من انهيار جدار برلين، كان الوضع مثيرا للقلق إلى حد أن الولايات المتحدة والدول الغربية الرئيسية بدأت تشعر حقيقة بالخوف. وكانت مدينة باليرمو، عاصمة صقلية، ومهد المافيات الأكبر، قد شهدت في شهر ديسمبر 2000 عقد قمة دولية كبيرة لـ «مناهضة المافيا»، وجعل النضال ضد الجريمة المنظمة «موضع الاهتمام الأول للديمقراطيات الغربية خلال السنوات المقبلة».
ذلك أن خطر التغلغل المافيوزي في الاقتصاد لم يعد مقتصرا على تهديد عالم الأعمال فحسب، وإنما أصبح وجود هذه الأنظمة الديمقراطية نفسها مهددا. لكن مثل ذلك الطموح في مكافحة المافيات جرى التخلّي عنه خلال عدة أشهر فقط. وذلك مع تفجيرات برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001.
ابتداء من تلك التفجيرات تحولت أنظار أجهزة الشرطة الغربية، وإلى حد ما العالمية، نحو مكافحة الخطر الذي بدا أكثر تهديدا والمتمثل في «الإرهاب». وبهذا المعنى يرى مؤلف الكتاب أن تلك التفجيرات قدّمت خدمة كبيرة للمافيات الدولية. فمنذ وقوعها أصبح بإمكان المجموعات المافيوزية أن تقوم بعملياتها بـ «سلام» وذلك على قاعدة شعار يقول: «كي نعيش سعداء، علينا أن نعيش في الخفاء».
ويقول انه غدا من الواضح اليوم أن العديد من التفاعلات الاقتصادية، والتي لم يكن يرقى لها الشك أبدا منذ فترة قريبة، قد أصبحت خاضعة لرؤوس أموال تعود بطريقة مباشرة، إلى هذه الدرجة أو تلك، لمنظمات إجرامية أو مافيوزية أو ل«صناديق تثير الشبهات». ويشير المؤلف هنا إلى أن مثل هذه الممارسات قديمة في اليابان، وتعود إلى فترة ما قبل العولمة. ومثل هذا الأمر لن يمر دون أن يطرح بعض التحديات «الجديّة» على الديمقراطية، كما اعترف في عام 2007 رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي، بعد اغتيال رئيس بلدية ناجازاكي من قبل أحد أعضاء المافيا اليابانية.
الكازينو الإجرامي الكبير
تشكل المافيات المنظمات الوحيدة التي تقوم بنشاطات غير مشروعة في هذا «الكازينو الإجرامي العالمي الكبير»، حسب تعبير المؤلف، «منظمات لها خصوصيتها» بالمقارنة مع نظيراتها الحديثة التي تمثل مختلف «العصابات الإجرامية المنظمة». ويرى المؤلف أنه من الممكن القول ان المافيات تشكّل «أرستقراطية الجريمة» ذلك أنها تلجأ إلى اقترافها من أجل التغلغل إلى الاقتصاد المشروع.
الجريمة إذن ليست هي الهدف الأعلى للمافيات، وإنما هي وسيلة مثل غسيل الأموال أو الرشوة أو لعبة الصفقات. وبهذا المعنى أيضا لا يمكن اعتبار أية منظمة إجرامية مجموعة مافيوزية. فالجماعات الإجرامية عرفها تاريخ الإنسانية كله. هنا يسأل المؤلف: ما هي المافيا؟ وهو يؤكد أنه ينبغي إيجاد تعريف دقيق ولا يخص سوى المجموعات السرية المستدامة التراتبية وذات الطقوس المحددة ولديها قوانين سلوكها، وتلجأ للعنف. القانون الإيطالي الجنائي يحدد المجموعات المافيوزية في «البند 416 مكرر»، بينما لا يوجد أي تحديد لها في القانون الفرنسي.
ويرى المؤلف أنه لا يمكن مد مفهوم المافيا كي يشمل أية عصابة إجرامية. ولكن بالمقابل قد يمكن الحديث عن المافيا في مفهوم مرادف للجريمة المنظّمة أو حتى ل«التفاهم غير المشروع» بين مجموعة محددة. هكذا يتم الحديث عن «مافيات سباقات الخيل» و«مافيات المستوصفات الخاصة»، الخ. بكل الحالات يخص المؤلف بالتحليل في هذا الكتاب المافيات التي «يعترف بها» أغلبية الاختصاصيين في هذا الميدان.
وهي المافيات الأربع الإيطالية (كوزا نوسترا في صقلية وكامورا في نابولي وندرانجينا في كالابريا وساكرا كورونا ادينا في بويلس) والمافيا الإيطالية-الأميركية (كوزا نوسترا) والمافيا الصينية (ترياد) والمافيا اليابانية (ياكوزا) والمافيا التركية (باباس) والمافيا الألبانية. ويحذر المؤلف منذ البداية من القول بوجود تراتبية من حيث «الخطورة» بين المافيات والمجموعات الإجرامية الأخرى ومختلف العصابات. فهذه وإن كانت أقل تنظيما من المافيات فإنها قد تكون بنفس الدرجة من الخطورة، وأحيانا أكثر خطورة، والمثال الذي يتم تقديمه على ذلك يتمثّل في العصابات الجامايكية.
وما يؤكد عليه المؤلف هو أن المافيا لا تتميز عن المجموعات الإجرامية الأخرى بأنها تسفك الدماء. وبعد أن يشير إلى عمليات القتل التي مورست خلال سنوات التسعينات المنصرمة في صقلية عندما قرر العرّاب «توتو ريبنا»، رئيس مافيا «كوزا نوسترا» التصدي للدولة الإيطالية واغتيال قضاة ورجال شرطة، يؤكد أنه لا ينبغي أن يغيب عن النظر واقع أن المافيا تبحث أولا عن إمكانية التغلغل وتقوم بالتهديد وتحاول ممارسة الرشوة أكثر مما تبحث عن القتل بأي ثمن.
وبناء على بحث المافيات عن فرض نفسها بشتى الوسائل وليس من خلال القتل كأولوية يستبعد المؤلف أن يطلق عليها «صناعة الموت» وإنما يفضل بالأحرى «صناعة الخوف»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب. وهو يؤكد أن مسألة إنهاء هذا الشخص أو ذاك تخضع لقرار تتخذه «محاكم داخلية». وبهذا المعنى تكون «جرعة الموت» عندها مدروسة أكثر بكثير مما هو لدى بعض العصابات مثل تجّار المخدرات المكسيكيين أو البرازيليين.
بالمقابل تبقى المافيات، مثل جميع الظواهر الإجرامية الكبرى، محاطة بالأسرار، وجذورها البعيدة مخبوءة في نقاط ضعف النفس الإنسانية كما في نقاط ضعف المؤسسات السياسية.
هكذا يصف المؤلف الأصول البعيدة للمافيات، كي يؤكد مباشرة أنه ينبغي الحذر كثيرا عندما يراد إعادتها، على الصعيد التاريخي، إلى فترة «ما قبل الحداثة». ذلك أنه يؤكد ظهورها في فترة لاحقة تزامنت مع ظهور الرأسمالية في البلدان التي لم تنجح الدولة فيها في فرض احتكارها للقمع، أو أنها كانت عرضة لموجات متتالية كبيرة من الهجرات.
ضمن مثل هذا الإطار برزت الظاهرة المافيوزية، ذلك أن الجريمة تتناظر مع شكل خاص للتراكم البدائي لرأس المال. ثم إن تفوّق المنظمات الإجرامية لا يعود أبدا إلى منطقها القديم وإنما يعتمد بالأحرى على «النموذج الليببرالي»، وإذن إلى القرن التاسع عشر، لبنى موازية سعت إلى تحقيق أهداف «جمع المال والنفوذ» وحيث كانت تلك البنى في بداياتها عبارة عن منظمات «سرية» ذات تطلعات فلسفية وسياسية. هكذا قامت المافيات في ممالك مثل مملكة «البوربون» في نابولي. وكان أعضاؤها في البداية من خصوم النظام التقليدي أو من المدافعين عنه، ولكن كانت اللقاءات تتم سرّافي الحالتين.
ثقافة السر
يمثل السر سمة جوهرية في العالم المافيوزي، وليس لأنه مصدر سلطة وإنما أيضا لأنه يقيم رابطة بين مجموعة من المفاهيم المعقّدة مثل الثقة والحماية والهوية بالنسبة لمجموعة تضم عددا قليلا من البشر. ويمكن ل«ثقافة السر» أن تساهم، عبر ذلك، بتعزيز لحمة المجموعة المعنية بها.
ويرى المؤلف أن الفيلسوف جورج زمل قد أعطى تحليلا بارعا لآلية عمل السر، وذلك في كتابه الذي يحمل عنوان «السر والمجموعات السرية». ويبدو السر كصيغة خاصة من النضج. فالطفولة هي صيغة من الشفافية حيث يقال فيها كل شيء بينما أن السر يسمح ب«توسيع هائل لمجال الحياة». لكن بالمقابل يمكن للسر أن يعطي سلطة كبيرة قد تكون وبالا على من يريد «التلاعب» بها. ذلك أنه: «إذا لم يكن السر مرتبطا مباشرة مع الشر، فإن الشر مرتبط مباشرة مع السر».
هكذا يرى المؤلف أنه ليس من قبيل الصدفة أو العبث تمسك المافيات ب«سيادة قانون السر» في علاقاتها فيما بينها، وعلاقاتها مع العالم المحيط بها. ذلك على اعتبار أن السر يشكل سلاحا خطيرا. هكذا حرصت المافيا في صقلية حتى سنوات الثمانينات على إشاعة الاعتقاد أنها ليست موجودة على أرض الواقع وإنها «مجرد شائعة». وكان لا بد من اعترافات عدد من «التائبين» ليتوقف مثل ذلك الوهم. يقول مثل شائع في صقلية: «أفضل الكلام هو ما لا نقوله». يمكن لهذا المثال أن يكون من «تراث» المافيا، كما يشير مؤلف الكتاب.
بالإضافة إلى قانون السر، من الواضح أن الظاهرة المافيوزية تندمج بسرعة في النسيج الرأسمالي، هذا رغم أنها من نمط أقرب إلى الإقطاعي من حيث علاقاتها وارتباطاتها وتراتبيتها الهرمية. ويرى المؤلف أن المافيات تستخدم بالفعل أشكالا «قديمة» من العلاقات ذات الطابع العائلي أكثر مما هي ذات الطابع الاجتماعي، وإنما في هدف السيطرة بشكل أفضل على قواعد السوق التي جرى إرساؤها في القرن التاسع عشر مع ازدهار الرأسمالية مع التأكيد على أهمية الفرد. بهذا المعنى أطالت المافيات من حياة ذهنية قديمة وسلوكيات قديمة وإنما في منظور حديث تماما.
كذلك يؤكد المؤلف أنه من العبث الاعتقاد بإمكانية التخلص من المافيات عبر تحقيق التنمية الاقتصادية وحدها. ويشير هنا إلى المافيا الألبانية التي استعادت العمل بقانون يعود إلى القرن الخامس عشر عندما اقتضت الحاجة ذلك: فالمافيات قد تنعش التقاليد القديمة، عندما تكون مفيدة لها. ولكنها يمكن أن تتخلّى عنها بنفس السرعة عندما تنتفي فائدتها. بهذا المعنى تصبح «المافيا مرآة الرأسمالية النفعية التي تبرر الغاية لديها كل الوسائل، والتي لا يهمها سوى المال، أما المنظومة الأخلاقية فهي بالنسبة لها أخلاق الضعفاء أو الخاسرين». وفي مثل هذا العالم تكون الكلمة الأخيرة غالبا هي للمافيات، ذلك أنها الأكثر «شراسة» من جميع الآخرين.
سطوة المال
ويذكر المؤلف مثال الدكتور جونسون الذي عاش في مطلع القرن الثامن عشر، وكان يتساءل عما إذا كانت هناك «وسائل أكبر براءة من أجل إمضاء وقته أكثر من استخدامه في كسب الأموال». كان يرى أن كسب المال «هواية معقولة» ذلك أن المال له «قوة جذب» أكثر من جميع الهوايات ومراكز الاهتمام الأخرى. والمافيات حوّلت مثل هذه «الهواية» إلى «إيديولوجية جامحة لجمع الأموال». وما كان للعولمة الليبرالية الراهنة التي جعلت من العالم «سلعة» إلا أن تزيد من «الشهية» للمال، وبالتالي تذهب في اتجاه تعزيز دور المافيات.
واليوم تعتمد المافيات، كما تؤكد التحليلات المقدّمة، على الحلقات الضعيفة في الليبرالية السائدة كي تعزز من سطوتها. هكذا يشهد العالم في فجر القرن الحادي والعشرين أن مناطق كاملة تقع تحت سيطرة المافيات. وبالتالي لم يعد من الممكن قبول «القول الساذج» للدكتور جونسون أنه ليست هناك طرق أكثر براءة من «تمضية الوقت في جمع الأموال».
ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف، ويرى بنفس الوقت أنها تزيد من خطورة المافيات، قوله ان المافيات قد أظهرت أنها قادرة على «الرؤية البعيدة». وهكذا قبل انهيار جدار برلين بنصف قرن كانت الشبكة التي وضعها «لوكي لو سيانو» لإقامة نوع من «البيبلاين» لنقل الهيرويين بين نيويورك وباليرمو قد عملت كمنظومة «معولمة»، كما كانت بنفس الوقت «أول شبكة حديثة من أجل تبييض الأموال».
وينقل المؤلف عن أحد الخبراء قوله ان المافيا الإيطالية-الأميركية «كوزا نوسترا» قد «ساهمت في خلق الديناميات الأولى لعولمة رأس المال الحالي ورأس المال المكرّس للمضاربة. وبماأنها قد سبقته في ذلك، فإنها على الأقل كانت أحد المصادر التي استلهم منها». ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أن منظمات مافيوزية هي بصدد تقهقر قوتها. المثال الذي يقدمه على ذلك المجموعة المافيوزية في شيكاغو التي أنشأها آل كابوني، والتي تتعرض للمحاكمة اعتبارا من شهر يونيو من عام 2007.
يضاف إلى هذا واقع أن مافيا «كوزا نوسترا» تتعرّض للمنافسة منذ سنوات الثمانينات المنصرمة من قبل عصابات ذات أصول لاتينية-أميركية وروسية.
أما اللوحة التي يتم رسمها لعالم المافيات اليوم فتدل على أنها قد توصلت إلى «إفساد» بعض الدول الضعيفة وهي قد تأمل زيادة سلطتها من خلال الوصول إلى مراكز قرار كانت بعيدة عنها حتى فترة قريبة. كما أن ظاهرة العولمة قد سمحت، عبر التداخل الكبير بين عالم الاقتصاد وعالم السياسة، بدخول قوى ذات طابع مافيوزي إلى مراكز القرار «ذات الوزن» في توجيه النشاط الاقتصادي العالمي.
ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى أن إيطاليا، عندما كانت تحت ظل حكومة برلسكوني، اتخذت عددا من الإجراءات التي تشجع سياسة «الصفقات» وتذهب في اتجاه فتح الأبواب أكثر أمام النشاطات غير المشروعة. وفي مقدمة هذه الإجراءات عدم معاقبة الشركات التي تقدّم كشوفا «غير دقيقة» عن حصيلة أعمالها والحد من أشكال التعاون الدولي في المجال القضائي والصادر قانون ينص على التساهل حيال هروب رؤوس الأموال وذلك باسم تشجيع عودتها إلى البلاد.
وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو أن عالم اليوم «المعولم» لا يحكمه التبادل بين منتجين أحرار، وإنما هو عالم لا يزال لمنطّق الانتماء إلى مجموعة أو زمرة دور فاعل كبير فيه، كما تثبت تحديدا حقيقة ازدهار المافيات. كما يتم التأكيد أن ما هو معرّض للتهديد أكثر من غيره ليس الديمقراطية، بالمعنى الدقيق للكلمة، فالمافيات لا يضيرها أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع طالما أن السلطة العليا تحت السيطرة. المعرّض للتهديد، كما يقول المؤلف، هو الحرية الفردية التي تتم التضحية بها على «مذبح المصلحة».
أمام هذا الوضع قد يكون العالم أمام نموذج جديد لديمقراطية «لا ليبرالية» تسود فيها بعض «الشرائح العليا» التي تمثل إقطاعيات اقتصادية «مشروعة أو غير مشروعة».
إضاءة
ينقل المؤلف عن مدير صندوق النقد الدولي، ميشال كامديسوس، قوله في عام 1998 ان تدفقات الأموال «القذرة» قد زادت من نسبة 2 بالمئة إلى 5 بالمئة في الاقتصاد العالمي. لكن الأرقام الأكثر حداثة الصادرة عن منظمة التجارة والتنمية الأوروبية تثير القلق أكثر.
إذ تدل هذه الأرقام على أن «اقتصاد الظل» مثّل عام 2005 نسبة 30 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي لـ 22 بلدا هي بطور الانتقال نحو اقتصاد السوق و15 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي لـ 21 بلدا من بلدان المنظمة. كذلك تدل حسابات دقيقة أخرى أن قيمة النشاطات غير المشروعة تجاوزت مبلغ 1000 مليار دولار، أي ما يعادل 8 بالمئة من قيمة المبادلات الدولية. الأرقام خيالية رغم أنها
مجرّد تقديرات، وإنما تقديرات لها مصداقيتها.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire